سهيلة عبد الباعث الترجمان

123

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

إذا تغلغل فكر المرء في طرف * من بحره غرقت فيه خواطره ، عباب لا تكدرّه الدلّاء ، وسحاب تتقاطر عنه الأنواء ، دعواته تخترق السبع الطباق وتتفرق بركاته فتملأ الآفاق . وإني أصفه وهو فوق ما وصفته ، وغالب ظني بل يقيني أني ما أنصفته . . . أما كتبه ومصنفاته فهي البحار الزواخر . . . وهذا الشأن لا يكون إلّا لمن خصه اللّه تعالى بالعلوم اللّدنّية والمعارف الربانية فمن جملتها : التفسير الكبير في تسعة وتسعين مجلدا ، بلغ رضي اللّه عنه فيه إلى تفسيره سورة الكهف عند قوله تعالى : وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً . فاستأثر تعالى به فتوفي الشيخ محي الدين رضي اللّه عنه ولم يكمل . وهذا التفسير كتاب عزيز ، كل سفر منه بحر لا ساحل له ، ولا غرو فإنه صاحب الولاية العظمى والصديقية فيما نعتقد . . . قلت : هذا التفسير لم يذكره الشيخ رضي اللّه عنه في التذكرة التي تقدم ذكرها ، لأن التذكرة كتبت بمكة شرفها اللّه تعالى ، ثم إنه رضي اللّه عنه انتقل إلى دمشق وسكنها برهة من الزمان قريبا من ثلاثين سنة ، وصنّف بها كتبا كثيرة بعد تلك التذكرة ، وكان آخر ما صنفه رضي اللّه عنه هذا التفسير ، واللّه أعلم لو أكمله إلى ما كان يبلغ من المجلدات . وهذا ليس من الكسب الإنساني بل من العطاء السبحاني والوهب الرباني " « 1 » . وقد عرض الجواب على السلطان الأعظم فاستفتى فيه الفقيه أبا بكر محمد بن الخياط المخلافي الجبلي ، هذا ترجمته : ما يقول الفقيه في الكتب المنسوبة إلى الشيخ محي الدين بن العربي رضي اللّه عنه كالفتوحات المكية وفصوص الحكم وغير ذلك . هل يجوز تعلّمها وإظهارها بين الناس واعتقاد ما فيها أم لا ؟ وهل هي من العلوم النافعة ؟ فإن شيخنا شيخ الإسلام أقضى القضاة مجد الدين نفع اللّه به الإسلام والمسلمين لما سئل عن ذلك أجاب بما يقتضي تفضيل كتب الشيخ محي الدين رضي اللّه عنه على ما اشتهر من كتب العلوم النافعة ، ولم يقر ذلك في القلب ، فأوضح لنا الجواب . فأجاب الفقيه المذكور : الجواب وباللّه التوفيق : قد آن لابن الخياط أن لا تأخذه في اللّه لومة لائم . قلت : هذا أوّل في خطأه في فتواه . إذ آن بمعنى قرب ودنا ، فقد أقرّ بفتواه واعترف بأنه كان بعيدا عن اللّه تعالى ، وقد كان تأخذه في اللّه لومة اللائم . هذا فيما

--> ( 1 ) القاري البغدادي ، الدر الثمين ، ص 66 .